القائمة الرئيسية

الصفحات

اليمن 2025: محاولة للتعافي بعد ذروة انهيار

 

مخبز، تعز، ديسمبر 2025، تصوير خاص للمشاهد

تعز – مجاهد حمود

لم يكن عام 2025 مجرد محطةٍ زمنيةٍ عابرةٍ في مسار الأزمة اليمنية الممتدة، بل شكّل ذروة انهيارٍ اقتصادي تراكمي. حيث تحول الاقتصاد إلى ساحة صراعٍ موازية للجبهات العسكرية.

ففي هذا العام، تداخل الانقسام النقدي مع شلل الموارد السيادية، وغياب الاستقرار السياسي والأمني؛ لتتجسد الأزمة في تفاصيل الحياة اليومية لملايين اليمنيين، من أسعار الغذاء، إلى الرواتب، والتحويلات، والخدمات الأساسية.

وبات 2025 أكثر الأعوام قسوةً على الاقتصاد اليمني منذ اندلاع الحرب. فلم تظهر أي مؤشرات حقيقية على التعافي، بقدر ما ترسخ مسار التدهور، واتسعت رقعة الفقر، وتآكلت القدرة الشرائية للأسر.

انقسام نقدي مستمر

ظل استمرار الانقسام النقدي والمالي السمة الأبرز للاقتصاد اليمني خلال عام 2025، مع وجود بنكَين مركزيَين متنافسيَن في عدن وصنعاء، وسعرَين مختلفَين للعملة الوطنية. هذا الواقع لم يكن مجرد إشكالٍ فني في إدارة السياسة النقدية، بل أنتج اقتصادًا مشلولًا بسوقين منفصلين، لكل منهما قواعده وأسعاره وآلياته.

هذا الانقسام تعمّق أكثر في نهاية عام 2019 بعد منع جماعة الحوثي تداول الفئات النقدية الصادرة عن البنك المركزي بعدن في مناطق سيطرتها؛ مما أنتج سعر صرفٍ مختلف للريال اليمني.

يقول الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي وفيق صالح لـ”المشاهد”: “إن الانقسام النقدي خلق فوضى تسعير واسعة، وأضعف قدرة الدولة على ضبط الأسواق، موضحًا أن وجود سعرين للصرف انعكس بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية، في بلدٍ يعتمد على الاستيراد بنسبة تفوق 90% من احتياجاته.

ويضيف صالح أن هذا الانقسام عمّق الفجوة المعيشية بين المناطق، حيث بات المواطن يدفع ثمنًا مختلفًا للسلعة نفسها بحسب موقعه الجغرافي؛ ما عزّز الإحساس بانعدام العدالة الاقتصادية، وأفقد السوق أي استقرارٍ طويل الأمد.

التضخم: العدو الصامت للأسر اليمنية

رافق الانقسام النقدي تصاعد حاد في معدلات التضخم، ليصبح العنوان الأثقل في حياة اليمنيين خلال 2025. وواصلت أسعار الغذاء والوقود والخدمات الأساسية ارتفاعها، في وقت ظلت فيه الأجور -خصوصًا لموظفي القطاع العام- غير منتظمة أو ثابتة.

يقول “سالم سعيد” -اسم مستعار لموظف بالتربية والتعليم في تعز لـ “المشاهد”: “إن المعيشة أصبحت لا تطاق في ظل الوضع الحالي من غلاء الأسعار وتدني القيمة الفعلية للراتب، الذي أصبح لا يجلب سوى كيس دقيق وعشرة كيلوجرام سكر، وهذا حال معظم المواطنين، وخاصةً موظفي القطاع الحكومي.

ويوضح وفيق صالح أن ازدواج الأسواق وضعف الرقابة المؤسسية فاقما تآكل القوة الشرائية، وشهدت حتى السلع المحلية قفزاتٍ سعريةً حادة؛ نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والاستيراد، وغياب أي سياسات دعم فعّالة.

أمام هذا الواقع، اضطرت آلاف الأسر إلى تقليص وجباتها اليومية، أو الاستغناء عن الرعاية الصحية، أو إخراج أطفالها من التعليم، أو اللجوء إلى الديون والتحويلات؛ ما ينذر بتداعياتٍ اجتماعية بعيدة المدى، تتجاوز البعد الاقتصادي المباشر.

دولة بلاشريان مالي

شكّل استمرار توقف صادرات النفط والغاز العامل الأكثر تأثيرًا في تعميق الأزمة الاقتصادية خلال عام 2025. وأدّى استمرار توقف الصادرات، واستهداف المنشآت، وغياب الاستقرار الأمني، إلى حرمان الدولة من موردٍ سيادي كان يشكل قبل الحرب نحو 70% من موازنة الدولة.

هذا الواقع قيّد قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها، سواء في دفع الرواتب، أو تحسين الخدمات، أو تنفيذ مشاريع تنموية. كما جعل الاقتصاد اليمني أكثر هشاشةً أمام تراجع الدعم الدولي.

ويقول صالح أن هذا التوقف أدّى إلى جفاف مصادر النقد الأجنبي؛ ما جعل الحكومة غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها الأساسية، سواء في دفع الرواتب بانتظام، أو دعم استقرار العملة عبر أدوات السياسة النقدية، التي فقدت فاعليتها نتيجة استنزاف الاحتياطيات.

ويشير إلى أن غياب النفط لم يضرب المالية العامة فحسب، بل أفقد الاقتصاد أحد أهم أدوات التوازن، وجعل الحكومة أكثر اعتمادًا على الدعم الخارجي؛ ما زاد من هشاشة الوضع الاقتصادي.

تتبع زمني للتطورات الاقتصادية

يناير:

بدأ عام 2025 بتدهورٍ غير مسبوق للعملة المحلية أمام العملات الأجنبية في مناطق سيطرة الحكومة، حيث تجاوز الدولار حاجز 2200 ريال في عدن.

تدهور قابله استقرار نسبي عند 535 ريالًا في صنعاء الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي. هذا التباين شكّل مؤشرًا مبكرًا على تصاعد “حرب العملة”، وانعكس مباشرةً على أسعار الغذاء والوقود.

في يناير أيضًا فرضت وزارة الخزانة الأمریکیة عقوبات ﻋﻠﯽ بنك الیمن والکویت للتجارة والاستثمار ومقره الرئیسي ﻓﻲ صنعاء؛ بتهمة القیام بأنشطةٍ تمویلیة لصالح جماعة الحوثي، بحسب بیان الوزارة. ونفى البنك تمویل الحوثیین وأكد سعیه لإلغاء قرار وزارة الخزانة الأمریکیة المتعلق بفرض عقوباتٍ ﻋﻠﯽ البنك وأكد استمرار عملیاته المحلیة.

فبراير: تراجع النشاط التجاري نتيجة التوترات العسكرية

أدّت عودة التوترات القتالية في عديد جبهات إلى زيادة حالة القلق في الأسواق، وتراجع النشاط التجاري، وتأجيل قراراتٍ استثماريةً محدودة أصلًا، في ظل غياب أي أفقٍ سياسي مستقر.

الحكومة اليمنية توقع اتفاقية في مدينة العلا بالسعودية مع صندوق النقد العربي؛ لإعادة هيكلة ديون اليمن للصندوق، بما يشمل سداد بعض القروض والأقساط، من أجل تحسين الوضع المالي للحكومة اليمنية ودعم مشروعات التنمية والإصلاحات الاقتصادية.

مارس: خسائر نفطية بمليارات الدولارات:

قال محافظ البنك المركزي اليمني في عدن، أحمد غالب المعبقي في نهاية 2024، إن الحكومة اليمنية خسرت نحو ستة مليارات دولار من عائدات النفط منذ توقف الصادرات أواخر 2022، بمعدل ثلاثة مليار دولار سنويا. هذا يعني أن الخسائر في هذا القطاع قد وصلت إلى تسعة مليارات دولار في نهاية 2026.

أبريل: تحذيرات من مرحلة حرجة:

حذّر تقرير اقتصادي سنوي لمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي (SEMC) من أن الاقتصاد اليمني دخل “مرحلةً حرجة”، مع استمرار الانقسام النقدي، وتراجع الإيرادات، وتآكل الدخل.

كما شهد ميناء رأس عيسى بالحديدة  غاراتٍ جويةً أمريكية أخرجته عن الخدمة ودمرت منصة تفريغ الوقود بالميناء.

مايو: احتجاجات ضد تدهور المعيشة

شهدت مناطق سيطرة الحكومة في لحج، عدن والضالع، احتجاجات شعبية واسعة بسبب تردي الخدمات، وانقطاع الكهرباء، وارتفاع الأسعار؛ ما عكس تصاعد الغضب الشعبي من الأوضاع الاقتصادية، واتساع الفجوة بين الحكومة والمواطنين.

وفي مايو أيضًا شنّت إسرائيل غاراتٍ جويةً عنيفة على ميناء الحديدة ومصنع اسمنت باجل بمحافظة الحديدة، بالإضافة إلى شن غارات على مطار صنعاء الدولي ومصنع اسمنت عمران بمحافظة عمران، بالإضافة إلى محطتي ذهبان وحزيز الحكوميتين للكهرباء.

وفي مايو أعلنت شركة الخطوط الجوية اليمنية انضمام طائرةٍ إلى أسطول الشركة ودخولها الخدمة، نهاية شهر مايو 2025.

وشهد سعر صرف الريال اليمني مقابل الدولار الأمريكي خلال شهر مايو 2025 تقلباتٍ طفيفة عكست استمرار حالة عدم الاستقرار الاقتصادي في البلاد. حيث تراوح السعر ما بين 2490 و 2559 ريالًا للدولار الواحد مسجلًا أدنى مستوى له في 4 مايو 2490 وأعلى مستوى في 14 مايو 2559.

يوليو

عرض البنك المركزي اليمني في صنعاء فئة 200 ريالا للتدوال في يوليو 2025
عرض البنك المركزي اليمني في صنعاء فئة 200 ريالا للتدوال في يوليو 2025

في يوليو أعلن البنك المركزي في صنعاء، الخاضع لسلطة جماعة الحوثي عن تقديم ورقة  نقدية جديدة فئة 200 ريالا.  وهذه الخطوة هي الأولى منذ سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء نهاية عام 2014. واقتصرت الطباعة السابقة على عملة معدنية شملت فئة مائة ريالٍ في مارس 2024، وفئة خمسين ريالًا في يوليو 2025 أيضا.

جاءت خطوات طباعة عملة جديدة في صنعاء في وقتٍ يعاني فيه سوق النقد في مناطق سيطرة جماعة الحوثي من تلف الأوراق النقدية المحلية للريال اليمني بجميع فئاتها، خصوصًا فئة الـ 100، و الـ 200 و250 والـ 500.

وصل تدهور العملة المحلية في مناطق سيطرة حكومة عدن إلى الذروة وسجل سعر صرف الدولار الواحد 2,880 ريالا والريال السعودي 757 ريالا.

أغسطس: بدء استعادة قيمة العملة في مناطق الحكومة:

بلغت “حرب العملة” ذروتها في يوليو مع قرارات البنك المركزي في عدن بإيقاف تراخيص شركات صرافة كبرى، في محاولةٍ للحد من المضاربات.

وشهد أغسطس بدء تعافي الريال اليمني إذ استعاد نحو 50% من قيمته أمام الدولار، وسجل سعر الصرف 1,632 ريالًا للدولار الواحد مقابل 2800 ريالٍ في يونيو 2025.

سبتمبر: مؤشرات صمود محلية:

في سبتمبر أظهرت دراسة اقتصادية نموًا ملحوظًا في نشاط ريادة الأعمال بمحافظة مأرب، باعتبارها نموذجًا محدودًا لقدرة بعض المناطق على خلق نشاطٍ اقتصادي محلي في بيئات أكثر استقرارًا نسبيًا.

أكتوبر: إصلاحات تصطدم بنفوذ محلي:

أعلنت الحكومة إقرار خطة إصلاحاتٍ اقتصادية شملت توحيد الإيرادات، ورفع الدولار الجمركي. لكن هذه الخطة لم تجد طريقها للتنفيذ بسبب رفض السلطات المحلية تحصيل الإيرادات إلى حساب الحكومة في البنك المركزي في عدن.

نوفمبر: الإصلاحات تصطدم بالواقع:

تعطلت خطة الإصلاحات بعد تصاعد التوترات الأمنية والعسكرية؛ ما أدى إلى تجميد تنفيذ معظم الإجراءات، وقضى على آمال تحقيق اختراق اقتصادي ملموس.

ديسمبر: مبادرات محلية:

واختتم العام في ديسمبر بحدثين مهمين: الأول: استمرار الإجراءات الرقابيةللبنك المركزي في عدن بإصدار القرار رقم 32 لإيقاف تراخيص صرافين مخالفين، والثاني: إشهار المجلس الاقتصادي التنموي المحلي في تعز، كأول مبادرةٍ من نوعها لتعزيز الشراكة المحلية في التنمية. هذه المبادرة المحلية، التي جاءت في نهاية العام، مثلت بصيص أملٍ في إمكانية إيجاد حلولٍ تنموية من القاعدة، بعيدًا عن تعقيدات الصراع المركزي.

انفوجرافيك يوضح أسعار الصرف للريال اليمني مقابل الدولار الأمريكي والريال السعودي خلال العام 2025

أنت الان في اول موضوع
ردرود الأفعال:

تعليقات