القائمة الرئيسية

الصفحات

عدن بعد الانتقالي: هل تُغلق السجون السرية أم تتغير إدارتها؟





مجاهد حمود - عدن

مع إعادة انتشار قوات “درع الوطن” التابعة لمجلس القيادة الرئاسي في مدينة عدن، تدخل العاصمة المؤقتة مرحلة أمنية جديدة، وُصفت رسميًا بأنها محاولة لاستعادة سلطة الدولة وإنهاء سنوات من تعدد التشكيلات المسلحة.

لكن خلف هذا التحول، تبرز أسئلة ثقيلة تتعلق بملف حقوق الإنسان، خصوصًا ما يرتبط بالاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، وهي ملفات ظلت مفتوحة دون مساءلة طوال الأعوام الماضية.

سجون خارج الخريطة الرسمية

خلال سنوات سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على عدن، تشكّلت منظومة أمنية موازية، ضمت تشكيلات متعددة عملت خارج التسلسل الرسمي لوزارتي الدفاع والداخلية.

تحقيقات دولية، بينها تحقيق لوكالة أسوشيتد برس، كشفت عن وجود شبكة من السجون غير المعلنة، أُنشئت داخل معسكرات ومقار أمنية، وأديرت دون إشراف قضائي.

معتقل سابق، أُفرج عنه لاحقًا دون محاكمة فضل عدم ذكر أسمه ، يقول:

“لم أعرف سبب اعتقالي، ولا الجهة التي تحقق معي. كل ما كان واضحًا هو أن الخروج ليس قريبًا”.

بحسب منظمات حقوقية، لم تقتصر الانتهاكات على الاحتجاز غير القانوني، بل شملت التعذيب الجسدي والنفسي، والحرمان من التواصل مع الأسرة أو المحامي.

الإخفاء القسري: الجرح المفتوح

يُعد الإخفاء القسري أحد أكثر الملفات حساسية في عدن. عشرات العائلات أكدت، في إفادات موثقة، اختفاء أبنائها بعد استدعائهم من نقاط أمنية أو مداهمات ليلية، دون أي إشعار رسمي.

من بين الحالات البارزة، اختفاء مقاتلين سابقين شاركوا في مقاومة الحوثيين، قبل أن يصبحوا لاحقًا ضحايا لمنظومة أمنية جديدة، في مفارقة تعكس تعقيدات الصراع المحلي. وحتى اليوم، لا توجد قاعدة بيانات رسمية بالمختفين، ولا لجنة تحقيق مستقلة، ما يجعل الملف معلقًا بين الوعود السياسية وواقع الإنكار.

الصحافة كهدف جانبي

لم تكن المؤسسات الإعلامية بمعزل عن هذا المناخ.

صحفيون تحدثوا عن بيئة عمل محفوفة بالمخاطر، حيث تحوّل النقد إلى تهمة، والتحقيق الصحفي إلى “تهديد أمني”.

قضية الصحفي أحمد ماهر، الذي تعرض للاعتقال والتعذيب، قبل محاكمته بتهم اعتبرتها نقابة الصحفيين “سياسية”، تعكس طبيعة العلاقة بين الأجهزة الأمنية والإعلام خلال تلك المرحلة.

“درع الوطن”: تغيير في البنية أم في الشعارات؟

مع وصول قوات “درع الوطن”، أُعلن عن قرارات رئاسية تقضي بإغلاق السجون غير القانونية، وإعادة تنظيم الملف الأمني تحت قيادة موحدة.

لكن حقوقيين يرون أن التغيير الحقيقي لا يقاس بالانتشار العسكري، بل بخطوات عملية، أبرزها: الكشف عن مصير المختفين قسرًا ,الإفراج عن المحتجزين دون أوامر قضائية , فتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات السابقة

يقول باحث في الشأن الحقوقي: عمار سعد 

“الدولة لا تُقاس بعدد الجنود، بل بقدرتها على حماية مواطنيها ومحاسبة من ينتهك حقوقهم”.

عدن إلى أين؟

بين التفاؤل الحذر والمخاوف المتراكمة، تقف عدن عند مفترق طرق. إما أن يشكّل هذا التحول بداية مسار عدالة انتقالية حقيقية، أو أن يكون مجرد إعادة توزيع للنفوذ الأمني. حتى ذلك الحين، تبقى المدينة رهينة إجابة واحدة: هل سيعرف أهالي المختفين الحقيقة؟


عدن وملف حقوق الإنسان: ما الذي تغيّر؟




مستقبل على كف عفريت

تقف عدن اليوم على مفترق طرق حاسم. إن وصول قوات "درع الوطن" وحل المجلس الانتقالي يمثلان فرصة تاريخية لا تقدر بثمن لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتأسيس مرحلة جديدة تقوم على احترام القانون وحقوق الإنسان.

لكن هذه الفرصة محفوفة بالمخاطر. فالنجاح لا يقاس بالبيانات السياسية أو بالانتشار العسكري، بل بنتائج ملموسة على الأرض يشعر بها المواطن العادي: الكشف عن مصير آلاف المخفيين قسراً، ومحاسبة المتورطين في جرائم التعذيب، وضمان حرية الكلمة والتنقل، وتوفير الأمن دون ثمن من الكرامة الإنسانية.

إن مهمة "درع الوطن" تتجاوز كونها مهمة أمنية؛ إنها اختبار أخلاقي وسياسي. فإما أن تنجح في طي صفحة الماضي المظلم وتصبح درعاً حقيقياً للوطن والمواطن، أو تتحول إلى مجرد حارس جديد للسجن الكبير الذي كانت عليه عدن. الأيام والأسابيع القادمة ستكون كفيلة بكتابة الفصل الأخير من هذه القصة.

أنت الان في اول موضوع
ردرود الأفعال:

تعليقات