القائمة الرئيسية

الصفحات

جاري تحميل المقالات...

تعز.. لماذا تتعثر محاولات الحوثيين لاختراق الجبهات؟

 
من الكدحة إلى جبل حبشي والأقروض.. معركة الحوثيين الحقيقية ليست على التباب بل على الطرق والمرتفعات وخطوط الإمداد


تحليل عسكري |مجاهد حمود

وفق المعطيات الميدانية حتى 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026

 

لم تعد المعركة في تعز تدور حول سؤال: من يسيطر على هذه التبة أو تلك القرية؟ السؤال العسكري الأكثر أهمية أصبح: من يستطيع التحكم في شبكة الطرق والمرتفعات التي تسمح له بتحريك قواته وإمدادها، ومنع خصمه من فعل الشيء نفسه؟

هذه الزاوية تفسر إلى حد كبير لماذا استطاعت جماعة الحوثيين شن هجمات واسعة ومتزامنة في تعز، لكنها لم تتمكن حتى الآن من تحويل الضغط إلى اختراق عملياتي واسع ومستدام.

خريطة المعركة: ماذا يعني كل محور؟

خريطة المعركة: ماذا يعني كل محور؟



لماذا يصعب اختراق تعز؟

هناك فرق عسكري كبير بين شن هجوم وتنفيذ اختراق عملياتي. الهجوم يمكن أن يبدأ بقصف كثيف ثم تقدم وحدات مشاة للسيطرة على موقع. لكن الاختراق يحتاج إلى سلسلة كاملة: فتح ثغرة، توسيعها، إدخال الاحتياط، تأمين الأجنحة، حماية طرق الإمداد، تثبيت المواقع، منع الهجوم المضاد، ثم مواصلة التقدم. إذا فشلت إحدى هذه الحلقات، يتحول الاختراق إلى مكسب تكتيكي محدود.

الكدحة.. العقدة التي تختصر طبيعة المعركة

الكدحة ليست مجرد جبهة قتال، بل جزء من عقدة جغرافية تربط بين تعز وجبل حبشي ومقبنة والمخا. وتكمن أهميتها في أن السيطرة على المرتفع تصبح أكثر قيمة عندما تمنح صاحبه قدرة على مراقبة طريق أو قطع محور إمداد أو حماية طريق تستخدمه القوات المتقدمة.

مقبنة.. الخاصرة الغربية

مقبنة تمثل أحد أهم محاور غرب تعز، وتقع ضمن المنطقة التي تربط الجبهة الجبلية بالمحاور المتجهة نحو الساحل. والأهمية ليست في الموقع المنفرد، وإنما في تسلسل المواقع؛ فالسيطرة على موقع في مقبنة تصبح أكثر أهمية إذا أمكن ربطه بموقع آخر في جبل حبشي أو الكدحة.

جبل حبشي.. معركة الارتفاع والسيطرة على الممرات

الجغرافيا تمنح جبل حبشي قيمة عسكرية خاصة. فالمناطق المرتفعة تسمح بمراقبة حركة القوات والطرق في المناطق المنخفضة، وتجعل التقدم البري أكثر كلفة عندما يكون المهاجم مكشوفًا أمام المدافع. لذلك لا يكفي عبور خط التماس؛ بل يجب السيطرة على سلسلة من المرتفعات المتتابعة.

لماذا يفتح الحوثيون جبهات في الشرق والجنوب؟

من المنظور العملياتي، فتح جبهة إضافية يمكن أن يكون هدفه تشتيت احتياط الخصم. وإذا ركزت القوات الحكومية معظم قوتها في غرب تعز، فإن فتح هجوم في الأقروض أو سامع أو الجبهات الشرقية يجبر القيادة العسكرية على إعادة توزيع القوات. لكن توسيع الجبهة يحمل كلفة على المهاجم أيضًا، لأن كل جبهة تحتاج إلى قوات وذخائر وقيادة وسيطرة وإمداد واحتياط.

الطريق إلى عدن.. ورقة ضغط موازية

الطرق الخارجة من تعز جزء من المعركة. ويعكس الضغط على طريق هيجة العبد أهمية طرق الحركة والإمداد. ومن ثم يمكن أن يكون الضغط على طرق الوصول والخروج من المدينة وسيلة لرفع كلفة الحرب حتى من دون دخول المدينة.

لماذا لم يتحول القتال إلى حصار كامل؟

الحصار العسكري الحقيقي يحتاج إلى قطع الطرق الرئيسية، والسيطرة على المرتفعات الحاكمة، ومنع فتح طرق بديلة، وتأمين مواقع المراقبة والنيران، ومنع الهجمات المضادة، وامتلاك احتياط قادر على استثمار أي انهيار. وهذه منظومة أكثر تعقيدًا من مجرد الوصول إلى أطراف المدينة.

الهجوم المضاد.. لماذا يمثل مشكلة للمهاجم؟

قد تصبح القوة المتقدمة نفسها هدفًا بعد دخولها إلى منطقة لا تزال تحت نيران الخصم. لذلك يصبح التقدم السريع خطرًا إذا لم يكن مدعومًا بإمداد واحتياط كافيين.

القوة النارية لا تحسم وحدها

القوة النارية يمكن أن تدمر موقعًا أو تربك الدفاع أو تقطع طريقًا، لكنها لا تساوي تلقائيًا السيطرة على الأرض. السيطرة النهائية تحتاج إلى قوات على الأرض، وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية في التضاريس الجبلية.

أين تكمن نقطة التحول؟

يمكن مراقبة المعركة عبر خمسة مؤشرات: الكدحة وقدرة أي طرف على تأمينها بصورة مستدامة؛ جبل حبشي وتحول السيطرة على المرتفعات إلى سلسلة مترابطة؛ مقبنة والبرح وإمكانية إنشاء ممر آمن ومستدام باتجاه الساحل؛ البيرين والطرق الجنوبية وخطر عزل الطرق الرئيسية؛ والأقروض وسامع وما إذا كان الضغط الجنوبي سيتحول إلى جبهة عملياتية حقيقية.

الخريطة العسكرية المبسطة

                 


السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: استمرار الاستنزاف

يبقى كل طرف قادرًا على شن هجمات محدودة وهجمات مضادة دون تحقيق اختراق كبير.

السيناريو الثاني: اختراق غربي

قد يصبح الوضع أكثر حساسية إذا تمكن طرف من جمع مكاسب متتالية في مقبنة والكدحة وجبل حبشي وربطها بممر عملياتي واحد.

السيناريو الثالث: توسيع المعركة جنوبًا

فتح جبهات إضافية في الأقروض وسامع يمكن أن يرفع الضغط على القوات المدافعة ويجبرها على توزيع احتياطاتها.

السيناريو الرابع: هجوم مضاد واسع

إذا استطاعت القوات الحكومية استثمار تماسك خطوطها الدفاعية وفتح هجوم مضاد متزامن، فقد تنتقل المعركة من الدفاع إلى محاولة استعادة المبادرة؛ لكن ذلك يتطلب إسنادًا لوجستيًا وجويًا وتنسيقًا عاليًا.

الخلاصة العسكرية

تشير المعطيات المتاحة حتى 1 أكتوبر 2026 إلى أن الحوثيين يمتلكون القدرة على تصعيد القتال وفتح محاور متعددة والضغط على طرق حيوية، لكن تحويل هذا الضغط إلى اختراق واسع في تعز يواجه التضاريس الجبلية، وتعدد خطوط الدفاع، وصعوبة تأمين الممرات بعد التقدم، والحاجة إلى حماية خطوط الإمداد، والهجمات المضادة، واتساع مسرح العمليات، وأهمية الطرق أكثر من المساحات الجغرافية المجردة.

المعيار الحقيقي ليس عدد القرى أو التباب التي تتغير السيطرة عليها خلال 24 ساعة، بل: هل يستطيع أي طرف إنشاء ممر عملياتي متصل، وتأمينه لوجستيًا، ومنع الطرف الآخر من قطعه؟ حتى الآن تبدو المعركة أقرب إلى صراع على عقد الطرق والمرتفعات وشبكات الإمداد منها إلى معركة حسم مباشر لمدينة تعز.


أنت الان في اول موضوع
ردرود الأفعال:

تعليقات