مجاهد حمود
لم تخسر ثورة 11 فبراير في اليمن لأن مطالبها كانت خاطئة، بل لأنها وُضعت في عهدة طبقة سياسية لم تكن مستعدة لدفع كلفة التغيير.
خرج الشباب إلى الساحات مطالبين بدولة قانون، لا دولة أفراد. لكن ما حدث لاحقًا أن الثورة انتقلت من الشارع إلى غرف التفاوض، ومن صوت الجماهير إلى حسابات النخب. هنا بدأت المسافة تتسع بين الحلم والواقع.
المشكلة الأولى لم تكن في إسقاط رأس النظام، بل في بقاء بنيته. لم يُفكك نظام المصالح، ولم تُعاد صياغة مراكز القوة العسكرية والأمنية بشكل جذري. جرى نقل السلطة سياسيًا، لكن النفوذ بقي موزعًا بين شبكات قديمة تعرف كيف تعيد إنتاج نفسها في أي ظرف.
المبادرة الخليجية جنّبت اليمن مواجهة مفتوحة في لحظة حساسة، لكنها في المقابل حصّنت رموز النظام ومنحتهم موقعًا في المرحلة الجديدة. وهكذا دخلت الثورة مرحلة انتقالية محكومة بالتسويات لا بالتحولات العميقة.
أما مؤتمر الحوار الوطني، فعلى أهميته، فقد ظل إطارًا نخبويًا أكثر منه عملية إعادة بناء فعلية للدولة. صيغت وثائق متقدمة، وطُرحت رؤى اتحادية طموحة، لكن الأرض كانت تتحرك في اتجاه آخر: السلاح كان أقوى من النصوص، والولاءات الضيقة أقوى من مفهوم الدولة.
الخطأ الأكبر أن القوى السياسية تعاملت مع المرحلة الانتقالية كفرصة لإعادة توزيع السلطة، لا كفرصة لبناء نظام جديد. تنافست الأحزاب على الحصص، وتصارعت المكونات على النفوذ، بينما تُركت مؤسسات الدولة ضعيفة ومخترقة. في هذا الفراغ، تمددت القوى المسلحة، حتى سقطت صنعاء دون مقاومة حقيقية من دولة كان يُفترض أنها في طور إعادة البناء.
لا يمكن تجاهل دور التدخلات الإقليمية في تعميق الأزمة، لكن تحميل الخارج كل المسؤولية هروب من النقد الذاتي. هشاشة الداخل هي ما جعل التدخل ممكنًا ومؤثرًا.
هل يعني ذلك أن الثورة كانت خطأ؟
لا. لكن الخطأ كان في الاعتقاد أن إسقاط رأس السلطة يكفي لإسقاط منظومة متجذرة منذ عقود.
ثورة فبراير انتصرت أخلاقيًا؛ لأنها كسرت الخوف ورفعت سقف الوعي السياسي. لكنها سياسيًا، دخلت في تسوية لم تُحسم فيها معركة الدولة. وبين التسويات غير المكتملة والصراعات المؤجلة، انفجر المشهد بالكامل.
اليوم، وبعد سنوات من الحرب، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا:
هل نتعلم من أخطاء 2011؟ أم نعيد إنتاجها في أي تسوية قادمة؟
إن أي مسار سياسي جديد لن ينجح إذا لم يعالج جذور المشكلة:
تفكيك شبكات المصالح، بناء مؤسسات حقيقية، احتكار الدولة للسلاح، وإرساء عقد اجتماعي واضح لا يقوم على المحاصصة بل على المواطنة.
ثورة 11 فبراير لم تكن نهاية الطريق، لكنها كشفت بوضوح أن التغيير في اليمن لا يُقاس بإسقاط أشخاص، بل بإعادة بناء قواعد اللعبة بالكامل.
وما لم يحدث ذلك، ستبقى كل ثورة مجرد موجة عالية… تنكسر عند أول صخرة قديمة لم تُزل من الطريق.

تعليقات
إرسال تعليق